علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
186
ثمرات الأوراق
قال الشافعيّ : فاستأذنته في الرّحيل ، فقال : ما كنت لآذن لضيف بالرّحيل عنّي ، وبذل لي مشاطرة نعمته ، فقلت : ما لذا قصدت ، ولا لذا أردت ، ولا رغبتي إلّا في السّفر . قال : فأمر غلامه أن يأتي بكلّ ما في خزائنه من بيضاء وحمراء ، فدفع إليّ ما كان فيها ، وهو ثلاثة آلاف درهم ، وأقبلت أطوف العراق وأرض فارس وبلاد الأعاجم ، وألقى الرجال حتى صرت ابن إحدى وعشرين سنة ، ثم دخلت العراق في خلافة هارون الرّشيد ، فعند دخول الباب تعلّق بي غلام فلاطفني ، وقال : ما اسمك ؟ فقلت : محمد ، قال : ابن من ؟ قلت : ابن إدريس الشافعيّ ، فقال : مطّلبيّ ؟ فقلت : أجل . فكتب ذلك في لوح كان في كمه ، وخلّى سبيلي ، فأويت إلى بعض المساجد أفكّر في عاقبة ما فعل ، حتّى إذا ذهب من اللّيل النّصف كبس « 1 » المسجد ، وأقبلوا يتأمّلون وجه كلّ رجل حتى أتوا إليّ ، فقالوا للنّاس : لا بأس عليكم ، هذا هو الحاجة والغاية المطلوبة ، ثمّ أقبلوا عليّ . وقالوا : أجب أمير المؤمنين . فقمت غير ممتنع ، فلمّا بصرت بأمير المؤمنين سلّمت عليه سلاما بيّنا ، فاستحسن الألفاظ ، وردّ عليّ الجواب ، ثم قال : تزعم أنّك من بني هاشم ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين كلّ زعم في كتاب اللّه باطل ، فقال : أبن لي عن نسبك ، فانتسبت حتّى لحقت آدم عليه السّلام . فقال لي الرشيد : ما تكون هذه الفصاحة ، ولا هذه البلاغة إلّا في رجل من ولد المطّلب ، هل لك أن أولّيك قضاء المسلمين ، وأشاطرك ما أنا فيه ، وتنفّذ فيهم حكمك وحكمي على ما جاء به الرّسول عليه السلام . واجتمعت عليه الأمّة ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين لو سألتني أن أفتح باب القضاء بالغداة ، وأغلقه بالعشيّ بنعمتك هذه ما فعلت ذلك أبدا . فبكى الرّشيد ، وقال تقبل من عرض الدّنيا شيئا ؟ - هكذا وردت هذه اللّفظة - قلت : يكون معجّلا . فأمر لي بألف دينار ، فما برحت من مقامي حتّى قبضتها . ثمّ سألني بعض الغلمان والحشم أن أصلهم من صلتي فلم تسع المروءة أن كنت مسؤولا غير المقاسمة فيما أنعم اللّه به عليّ ؛ فخرج لي قسم كأقسامهم ، ثم عدت إلى المسجد الذي كنت فيه في ليلتي ، فتقدّم يصلّي بنا غلام صلاة الفجر في جماعة ، فأجاد القراءة ، ولحقه سهو ولم يدر كيف الدّخول ، ولا كيف الخروج . فقلت له بعد السّلام : أفسدت علينا وعلى نفسك . أعد فأعاد مسرعا وأعدنا ، ثم قلت : أحضر بياضا أعمل لك باب السّهو في الصّلاة ، والخروج منها . فسارع إلى ذلك ففتح اللّه عزّ وجلّ ، فألّفت له كتابا من كتاب اللّه وسنّة نبيّه عليه السلام ، وإجماع المسلمين ، وسمّيته باسمه ، وهو أربعون جزءا يعرف بكتاب الزّعفران ، وهو
--> ( 1 ) كبس المسجد : هجم عليه .